السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )

480

مصنفات مير داماد

وأمّا أنا فلا أقلّد في ما أعتقده إلا الحقّ ولا أتّبع إلّا البرهان . فللحقّ أهل يجدون العقل عليه دليلا ، وللباطل أهل لا يستطيعون إلى الحقّ سبيلا . ولولا أنّ ثبّتنى ربّى لقد كدت أركن إليهم شيئا قليلا . وإذ قد بلغ فحص الحقّ بنا إلى هذا النصاب ، فلنختم عليه التّرعة الأولى ، من المساق الأوّل ، ونأخذ في ابتداء القول من التّرعة الثانية . وعالم العقل لنا بفضل اللّه ورحمته كالمشرعة ، والقوّة النظريّة كانسانيّة . فقد تولّينا أرصادا عقليّة رصدنا فيها مسير كوكب التحقيق في فلك الحكمة وسير نجم الحقّ على معدّل نهار التحقيق بآلات رصديّة [ 264 ظ ] ، من تقويم الفكر وتلطيف السرّ وتهذيب النفس وتخليص العقل عن الوهم صالحة للرصدين الحدسىّ والفكريّ ، متخذين ، ذات شعبتين ، من النفس المجرّدة ، وذات حلق من القوّة العاقلة ، وذات ثقبتين من القوّة النظريّة ، وأسطرلابا من العقل الخالص ، وربعا مجيّبا من السّرّ النقيّ ، ومقياسا من البرهان الصريح ، وفرجارا من الوجد أن الصحيح ، ومسطرة من سلامة الفطرة واستقامة الفطنة ، وحلقة إسكندريّة من دائرة اليقين على جيب النظر البالغ وقطر القول المبين . ولا بدّ لمدرك الحقّ من أن يضع لزنة العلم ميزانا [ 164 ب ] من الطبع المستقيم ، ومعيارا من الذوق السليم مع إهمال لجانب البدن ورفض لجهة الطبيعة . فليكن عندك سنّة عقليّة في مطالعة هذه التّرعة ، بل ترع هذا الكتاب على العموم لا تتعدّاها ، هي أنّه متى ما ضاق عليك الأمر في نيل المرام وإذعان الحقّ من بعد فقه الكلام . فعليك أن تهاجر كورة الطبيعة وتجاهد بغاة العقل ، من القوى الوهميّة والخياليّة ، وترفض أعداء اللّه فيك ، من الدواعي الجسميّة والصوارف البدنيّة وتستهتك الجلابيب الجسدانيّة والغواشي الهيولانيّة وتستحقر البهجة [ 265 ظ ] الجسديّة واللّذة المزجيّة . فعساك تنفصل عن عالم الغرور ، وتتصل بالملإ الرفيع حول حضرة القدس بالأفق الأقصى ، وتفارق أصفاق إقليم الزور ، وتتمسّك بجناب ربّك الأعلى ، فيتيسّر لك أن تشاهد فضاء الملكوت من كوّة النفس الناطقة عين العقل المستفاد . وهناك يتهيّأ لعقلك أن يسبح في نهر علم اليقين ، فيصل إلى شاطئ حقّ اليقين . وإذ دريت أنّ مغناطيس درك الحقّ هو صدع غيم القلب بالبروق الخاطفة